النصرة وما أدراك ما النصرة ؟

f5f097d9ccf26d3a3b893321b279f91a

ليست “جبهة النصرة” تنظيما واضح المعالم والقسمات ، بل هي اقرب ما يكون الى شبح يرسم كل طرف صورته بالطريقة التي يريدها ، فهو هنا مجموعة من المسلحين المنفلتين من عقالهم الذين ينتهكون القوانين والأعراف الارضية والسماوية ، وهو هناك جماعة طهرانية ليست عينها على هذا العالم ، كرست أرواح أعضائها للدفاع عن القيم السماوية والأرضية ، فهي لا تقول أو تفعل غير ما هو حق ، وليس لديها أية أحكام مسبقة على أحد ، والدليل أنها شكلت قبل قرابة شهرين مجلس شورى محلي في رأس العين ضم كاهنا مسيحيا .

أما ما لا شك فيه ولا خلاف لدى أحد عليه ، فهو سمعة الجبهة القتالية ، التي تتطاير في أرجاء الأرض السورية وتسبقها إلى كل مكان منها ، حتى يقال إن وزير خارجية النظام السوري أسر لأحد أصحابه قائلا بحسرة :”أن واحدا من رجال الجبهة يساوي عشرة من رجالنا “. هنا تجمع سائر الروايات على شجاعة ، قل تهور ، رجال النصرة في القتال ، وتنوه بمستوى تدريبهم الرفيع واستعدادهم للموت في مواقعهم ، أو تنفيذا لأمر يصدره إليهم أمير من امرائهم . لا بد أن تضاف إلى هذا روايات تتحدث عن درجة ادلجتهم الرفيعة ، ومستوى تنظيمهم الفولاذي ، وتفضيلهم القتال في اصعب المواقع ، وذهابهم إلى الموت بروحية استشهادية فرحة وعارمة .

ربما كانت هذه الصورة من مستلزمات الغموض الذي يحيط بالجبهة ، ويعتبر جزءا رئيسا من أسطرتها ، وضرورة لا غنى عنها لاستكمال مقومات صعودها في عالم يغرق في اليأس ، يبرز فيه شعور عام بانسداد الآفاق وضياع، او احتمال ضياع ، التضحيات التي قدمها شعب يريد حريته ، ويشعر شعورا متعاظما بالخيبة لأن عائدها كان أقل من حجمها، أو لأنها لم تنله ما اراد بلوغه من أهداف . في لحظات كهذه ، يقول كثيرون إن الثورة السورية وصلت اليها ، تبرز الحاجة إلى قوة تغيير تكون غالبا من صنع الرغبة أو الحاجة ، تعيد شحن النفوس بروح نضالية عالية من خلال إشاعة الاعتقاد – أو الوهم – بحدوث تبدل يقرب الناس من مراميهم ومقاصدهم الأصلية ، التي تبدو صعبة او بعيدة التحقيق .

لا يريد ما سبق القول : إن الجبهة كائن خرافي أو غير موجود او من صنع خيال يائس يحتاج إليه . إنها واقعة تتعاظم أهميتها في الصراع الدائر اليوم على أرض سوريا ، تنتشر – كما يقال- بسرعة إلى مناطق لم تكن فيها ، حتى لتكاد تغطي مجمل الأرض الوطنية ، بينما ينوه عدد متزايد من ابناء وبنات الشعب بدورها ، ويتبادلون انباء تتصل بتاريخها، رغم الاقرار بما يشوبه من الغموض والثغرات ، الضرورية بدورها لإطلاق العنان لخيال يلبسها أثوابا براقة تغري بالانضمام إليها أو بمنحها ثقة مطلقة . هنا ، في التاريخ ، ثمة رواية ترى الجبهة آتية من العراق ، حيث كان قد أرسلها النظام السوري وأمنه العسكري بعد الغزو الاميركي كي تحاصر اليانكي وتحول بينهم وبين الاندفاع إلى سوريا ، بعد أن اسقطوا بسهولة مفاجئة نظام صدام ، ولاح خطر توسيع عملياتهم إلى أراضي الدولة السورية ، المحكومة بنظام بعثي هو صنو النظام العراقي المكروه غربيا . لكن هؤلاء المرسلين إلى العراق لم يصلوا جميعهم إليه ، بل بقي قسم منهم في سوريا بعد عام 2006 ، ما لبث ان حل في سجن صيدنايا العسكري قرب دمشق،حيث تمرد المئات منهم ضد ظروف سجنهم وطالبوا بترحيلهم إلى خارج سوريا ، إلى افغانستان بصورة خاصة ، لكن تمردهم سحق بعد أشهر وقتل العشرات – ويقال المئات – منهم ، بينما ترك العراق باتجاه وطنه قسم متعاظم من الذين قاتلوا الأميركيين ، بعد بدء المظاهرات السورية المطالبة بالحرية . ولعلنا لم ننس بعد كيف اعتبر النظام ان الحراك الشعبي مجرد تغطية “لأعمالهم الإرهابية “، التي تشكل جوهره ، وتكذب واقعة أنه حراك مطالب بالحرية والإصلاح !.

هل عاد جميع من غادروا سوريا إلى العراق ، ويقدر عددهم بقرابة خمسة عشر الف رجل ؟. ليس هناك ما يؤكد أو ينفي ذلك ، وإن كان من الواضح أن عدد أعضاء ” الجبهة ” داخل سوريا بدأ يقترب من هذا الرقم ، وأن انتشارهم السريع من مكان لآخر ، وانضمام أعداد متعاظمة من المقاتلين إليهم يؤكدان تعاظم اعدادهم ، خاصة بعد ذيوع صيتهم كمقاتلين أشاوس ، وما وقع من إرباك في صفوف تنظيمات مقاتلة كثيرة ، بسبب نقص مواردها المالية أو اسلحتها وذخائرها ، أو خلافاتها مع غيرها ، وفشلها في تشكيل تنظيم وطني شامل ، على النقيض من الجبهة التي عملت منذ بداية نشاطها في إطار وطني سوري ، مع أنها الجهة الرئيسة التي سمحت بانتماء غير السوريين إليها وتلقت أموالا ومساعدات من الخارج : من جهات يبدو أنها تغدق عليها بوفرة ، لا نعرف بدقة هويتها . واليوم ، لا شك في أن الجبهة تصير بسرعة من اكبر التنظيمات المقاتلة ، واكثرها مركزية وتماسكا ، وافضلها تسليحا وتمويلا ، وأبرزها في ساحات المعارك ، واشدها مراسا في القتال .

ترتبت على ظهور الجبهة نتيجتان رئيستان :

- قلق دولي كبير يهدد بجعل الدول المعنية بسوريا تعيد تقويم موقفها من الصراع الدائر فيها، الذي بدأ كصراع بين نظام استبدادي وبين شعب يريد الحرية ، ويعتقد في الخارج انه بدأ يتحول اكثر فأكثر إلى صراع حده الاول النظام والثاني الأصولية الجهادية ممثلة في الجبهة وتنظيمات اخرى كغرباء الشام ، مع ما يمكن أن ينجم عن ذلك من قبول دولي بالنظام ، ومن تغير جدي في الموقف من الأزمة السورية يقوض دور ومكانة القوى الديمقراطية سواء في الصراع أم في الحل ، كما يبدل مواقف بعض البلدان العربية ، التي كانت تتحفظ على وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة بعد سقوط الأسد ، فما بالك ان وجدت نفسها اليوم في مواجهة من هم أشد منهم إسلامية وطموحا وقتالية وادلجة وتصلبا .

- تبدل في طبيعة القوى داخل الساحة السورية وفي الموازين القائمة بينها ، وخاصة القوى الاسلامية منها، التي سيتم ابتلاع معظم تكويناتها او احتواؤها من قبل الجبهة ، في تكرار لما وقع قبل ثلاثين عاما ، عندما ابتلع تنظيم “الطليعة المقاتلة” الهزيل الحجم والقليل العدد تنظيم الاخوان المسلمين بعدده الذي بلغ في الثمانينيات قرابة 32 الف محازب، واغرى قسما كبيرا منهم بالانضمام اليه ، وتسبب في اعدام ومقتل ثمانية آلاف منهم . ماذا سيكون مصير الاخوان إن ضمت الجبهة عشرات الاف المقاتلين الاشد قوة من اعضائهم المحدودي القوة والانتشار على الارض ؟. لا شك في ان تحولا مهما سيقع ، انطلاقا من آلية لطالما عرفناها في الصراعات المحتدمة تتلخص في ان الاكثر يحل محل الاقل اصولية وتطرفا ، وأن العنف يتصاعد بوتائر لا تني تتعاظم ، إلى أن تصعب او تستحيل السيطرة عليه .

ما النتائج التي ستترتب على بروز الجبهة ؟

- سيتراجع دور القوى العلمانية والديمقراطية عموما، وعلى الخصوص منها تلك التي تحالفت مع إسلاميي المجلس الوطني السوري والمنظمات المشابهة ، بالتلازم مع تراجع دور وحضور هذه القوى ومجلسها .

- سيتراجع الدعم العربي لقوى الثورة بقدر ما يتراجع دورها وتعجز عن مواجهة الجبهة وعن كبح صعودها وتقديم بدائل عملية لها. هذا التراجع سيؤثر كثيرا على أوزان وأدوار العديد من الفصائل المسلحة ، وقد يعزز فرص الاصطدام بينها، مع ما سينجم عن ذلك من قلق مجتمعي واسع وتغير في مواقف فئات وجهات تخاف على الأقليات ، إلا إذا تعهدت النصرة بعدم المس بها وشكلت تنظيمات يسهم ابناء الأقليات فيها بندية ، كما حدث في رأس العين حيث شكلت مجلسا شرعيا فيه كاهن مسيحي . مع تغير الدور العربي ، وحدوث الاستقطاب الداخلي الجديد بين النظام والجبهة ، ستزداد فرص اهل السلطة في البقاء ، خاصة إن هم ضحوا بالأسرة الأسدية ، وستتبدل طبيعة المعركة لتصير بين نظام يدافع عن علمانية المجتمع وبين جهاديين سلفيين لا يعرفون التسامح ، حتى تجاه مخالفيهم في الرأي من أبناء دينهم . هل سترد الجبهة بصورة استباقية على هذا الاستقطاب لتكبحه او تبطله منذ بدايته ، وكيف سترد ؟. هذا هو السؤال الذي لا بد أن تتقدم بإجابة عليه . بالمقابل ، قد تزداد فرص نسج علاقات مفتوحة بين دول الخليج والبلدان المحيطة بسوريا وبين بقية قوى الساحة السورية بما في ذلك الديمقراطية منها، التي سيكون بوسعها عقد تسوية تاريخية مع التقليدية الخليجية تقوم على تقديم ضمانات ملزمة لها بعدم التدخل في شؤونها وبدعم أي إصلاح تقوم به في بلدانها ، مقابل دعم الخيار الديموقراطي في سوريا ، الذي قد يمثل من الآن فصاعدا مصلحة استراتيجية لها . هل ستقبل القوى الديمقراطية هذا الخيار ؟. ستكون قصيرة النظر إن هي رفضته أو عجزت عن الرد بنجاح على صعود التطرف الجهادي ، بينما ستكون التقليدية مجبرة على الاحتماء بالديمقراطية السورية كي تبعد خطره عنها .

- سيتراجع الاهتمام الدولي ، القليل أصلا ، بمصالح الشعب السوري ، وسيبرز عوضا عنه اهتمام بديل وواسع بمصالح القوى الدولية ، التي ستمارس اشكالا من التدخل في الشأن السوري تختلف عن الأشكال الراهنة ، انطلاقا من قبولها بالنظام الأسدي المقيت ، الذي ستعول عليه في قمع الإرهاب ومكافحته ، وعقد تسويات تطوق الخطر الجهادي والاصولي من خلال تفاهمات بعيدة المدى حول مجمل أوضاع الشرق الأوسط ودوله ، ومن يدري ، فربما تخلق تدريجيا محورا يضم قوى ديمقراطية الى بعض معتدلي الإسلاميين ودول الخليج وتركيا والأردن وربما العراق ودول اجنبية ، إدراكا منها بأنها ستعجز عن فعل أي شيء إن ظلت متفرقة متنازعة .

ليس صعود جبهة النصرة حدثا عاديا او مفاجئا ، فقد كنت احذر مع آخرين من أن ضغط النظام بالعنف على المجتمع سيؤدي إلى قيام حال من التشدد والتطرف يقلب المعادلات القائمة اليوم ويخلق وضعا جديدا قطباه هما النظام من جهة والقاعدة أو ما يشبهها من جهة مقابلة ، سيمكن قيامه السلطة من تخيير العالم بينها وبين الجهاديين ، وسيعزز فرص قبول العالم بها ، بعد ان تكون قد اتمت تدمير سوريا لصالح إسرائيل .

يقول أصدقاء قادمون من داخل سوريا : إن ما هو قائم اليوم فيها يختلف عن كثير مما بدأت الثورة به . إلى أين سيقود هذا المختلف ؟. حاولت هذا المقالة تقديم بعض الأجوبة على هذا السؤال الصعب. يقول الحديث الشريف : للمصيب أجران وللمخطيء آجر : اللهم لا تجعلنا من المخطئين !.

 

“ميشيل كيلو-المدن”

التصنيفات: الأخبـــــار

لا يوجد تعليقات.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: