المؤتمر الوطني لإنقاذ سورية- الطموح والواقع

‏ماجد حبو‏

المؤتمر الوطني لإنقاذ سورية- الطموح والواقع

مقدمة لا بد منها :

للأزمة السورية مستويات عديدة أبرزها وعلى التوالي والترتيب :

1- المستوى الداخلي وهي أولاً وأساساً أزمة شعب مع نظامه السياسي التمثل بالاحتكار السياسي عبرآليه عنفيه قسرية مرت بأطوار متعددة أبرزها الدعوة إلى الإصلاح السياسي وصولاً إلى ما شهدته البلاد من الدعوات إلى اسقاط النظام الأمني الاستبدادي أولاً , إلى المرحلة الأخيرة وهي اسقاط النظام بكل مرتكزاته ورموزه . وهذا ما يصطلح عليه بالصراع في سورية

2-المستوى الخارجي ويتراوح بين المواقف الاقليمية وصولاً إلى الدولية في تعاطيها مع الأزمة السورية مع ما يتناسب مع مصالحها ورؤيتها لأطراف الصراع وهو ما يصح القول عليه ” الصراع على سورية “

على المستوى الداخلي كان ولا يزال لحين الساعة الخيار الأمني العسكري بدرجات متفاوته هو الخيار الأوحد للنظام السوري في تعامله مع الشعب السوري أيا كانت درجة المطالب المحقة والمشروعة لهذا الشعب , وهو مايؤكد عدم رغبة النظام , بل عدم قدرته على ايجاد بدائل أخرى عن ذلك الخيار الأمني العسكري ولو ادعى أم رغب بذلك , وهو ما يتعلق ببنيته وتركيبته الغير صالحة لأي خيار آخر !!! وفي سياق الأحداث الأخيرة من الشهور الستة عشر الماضية تلاقت هذه النية مع أطراف من العارضة السورية التي – دٌفعت أم اُضطرت – لتتبادل الدور في سياق العنف والعنف المضاد .

وعلى المستوى الخارجي دفع النظام باتجاه تدويل الأزمة لتخفيف الضغط الداخلي عليه ودفع بالأزمة السورية إلى تجاذبات اقليمية ودولية أوصلت محصلة القوى الخارجية إلى درجة التوازن الدولي المقلق والخطر في مقابل زيادة في تحطيم الوطن والدولة والشعب السوريين , ومقابل ذلك من نوايا وإرادات اقليمية ودولية شاركت وبفعالية عالية في زيادة ذلك التحطيم تحت شعار مخادعة ومضللة مثل حماية الشعب السوري والدفاع عن حقوقه !!

هذه اللوحة من الصراع دفعت إلى الواجهة الأطراف العسكرية المسلحة في ظل غياب شبه كامل لأي مشروع سياسي لعملية الصراع في سورية لتأخذ الأمور منحى الانتصارات العسكرية من هذا الطرف أم ذاك , مع المخاطر المترافقة لمثل هكذا توجه من مثل الحرب الأهلية أو الاقتتال الطائفي وصولاً إلى تقسيم الوطن السوري .

في هذا السياق جاء المؤتمر الوطني لإنقاذ سورية والذي عقد في دمشق 23/9/2012 والذي دعت إلى مجموعة من الأحزاب والقوى الاجتماعية والسياسية – ما يقارب عشرين حزباً – إلى الخيار الوطني الديمقراطي والذي يحرص على الوطن ويجد في الحلول الأمنية العسكرية مقتلاً للوطن والمواطن بل وللثورة والطموح الذي قامت من أجله ألا وهو- الحرية والعدالة والكرامة -.جاءت الدعوة محصورة بالقوى الوطنية الديمقراطية المعارضة كمقدمة أولى لفتح ثغرة في الجدار العسكري الأمني الذي بات طوقاً يحكم الوطن والمواطن وصولاً إلى حالة من التوافق السياسي بين كل أطياف المجتمع السوري وبضمانة دولية وإقليمية لفك حالة الاستعصاء القائم بين الأطراف المتصارعة عسكرياً باتجاه حلولاً سياسية تحقق المطالب المحقة التي قامت من أجله الثورة السورية أساساً.

عاب على المؤتمر مسائل عدة أبرزها على التوالي :

1-الظروف الموضوعية التي يتم العمل من خلالها : فالأطراف المتنازعة عسكرياً لا تجد في مصلحتها المباشرة مثل هكذا دعوة , كما هو الحال للأطراف الإقليمية والدولية التي تجد في تحقيق الشعب السوري المطالبة وحقوقه الوطنية الديمقراطية خطراً عليها .

2-ضعف التنسيق والتشاور ما بين الأحزاب والقوى الوطنية الديمقراطية صاحبة هذا المشروع مما فسح المجال لاستنكاف بعض القوى عن المشاركة في المؤتمر , وهو ما يعكس حالة التأزم العامة للأفراد وللوطن .

3-عدم القدرة على الاختراق الاجتماعي للشخصيات الوطنية والاجتماعية والدينية للمساهمة في النهوض بالمشروع الوطني كونه حاجة الجميع , ومرد ذلك إلى حالة التشنج والتقوقع التي تلف الجميع كما للمخاطر التي تواجههم .

4-تداخل الصراع بشقيه الداخلي والخارجي من جهة وللفهم المغلوط القائم على الفصل ما بين الديمقراطي والوطني غيب الكثير من الفعاليات والقوى الاجتماعية الصامتة .

5-القدرة الاعلامية الجبارة لبعض القنوات التلفيزيونيه في زيادة الاقتتال والاقتراب شوهت الكثير من المفاهيم السياسية والوطنية إلى درجة التخوين .

6- وأخيراً عدم قدرة المؤتمر – كجسم سياسي وليس تنظيمي – على بلورة قوة مادية اجتماعية لقيادة الحراك الوطني الديمقراطي السلمي , وبالتالي فقدان القدرة الميدانية لتحقيق مواقف عملية لوقف نزيف الدم .

أما على المستوى الايجابي للمؤتمر فقد تلخصت بعدة نقاط اساسية أهمها :

1-شكل نقطة فارقة في الحياة السياسية المعاصرة في سورية بقدرته على المطالبة المباشرة والصريحة بما يمثل أهداف الثورة من ضرورة اسقاط النظام في عقر داره ومن قلب ساحة الصراع – دمشق – وهذا ليس منَه من النظام بقدر ما هو مكاسب للشعب السوري التي حققها من عمر الثورة السورية اليوم , وهنا نقطة القوة كونه جاء محصلة لنضال الشعب السوري .

2-ادراكه – أي المؤتمر – بأن الخطر الحقيقي والداهم هو ايقاف العنف من كل الأطراف وأولاً من النظام , كونه الأقوى والأكثر تنظيماً , بل والمبادر وصاحب القرار المباشر في اذكاء دائرة الموت الدائر في الوطن .

3-إعادة الاعتبار إلى العمل السياسي بكل تلاوينه كون الأزمة جوهرها أزمة سياسية وليست أمنية – عسكرية .

4-إعادة الاعتبار للمشروع الوطني الديمقراطي السلمي في قيادة الحراك الثوري بعد تقدم قوى الثورة المضادة الصفوف من خلال الصراع المسلح وإدامته .

5-التأكيد على الدور الاقليمي والدولي في ايجاد مخارج سياسية للصراع في – وعلى سورية من خلال التأكيد على المبادرات العربية – الدولية التي تم التوافق عليها من قبل كل الأطراف .

6-الدعوة إلى التوافق السياسي الذي تم انجازه من خلال مؤتمر القاهرة والعمل على تطويره واستكمال ما غاب عنه , والفصل الواضح ما بين الدولة السورية والنظام السوري من خلال التأكيد على حق الجميع بالمشاركة في المرحلة الانتقالية القادمة ما عدا من تلوثت أيديهم بالدماء السورية من أي طرف كان .

7-التأكيد بدون أي لبس أو مواربة بأن الأزمة في سورية هي أساساً مع النظام السوري والذي يجب اسقاطه بكل مرتكزا ته ورموزه وليس أطراف محددة أو شخصيات بينها , مع الحفاظ على الدولة السورية والمكتسبات العامة التي حققها الشعب السوري عبر تاريخه الحديث من عمر دولته المعاصر .

كل هذه الايجابيات التي ميزت انعقاد المؤتمر الوطني لإنقاذ سورية حضرت في البيان الختامي الذي جاء موجزاً ومحدداً لطبيعة الأخطار والواجب عمله كمشروع سياسي وطني ديمقراطي يجاهد كي يؤسس نفسه ويحدد مساره في مواجهة خطر النظام وعناصر الثورة المضادة , لذلك اعتبر المؤتمر – أي المشروع الوطني الديمقراطي – نفسه في حال انعقاد دائم من خلال ورشات العمل التي انبثقت عنه , وهنا بيت القصيد , اضافة إلى توسيع دائرة المؤتمر لتشمل أكبر قدر ممكن من القوى السياسية والاجتماعية والمدنية صاحبة الحق في التعبير عن نفسها ضمن ذات التوجه الوطني الديمقراطي أو تقاطعاته وذلك في لقاءات أو مؤتمرات قادمة داخل الوطن أو خارجه للضرورات الأمنية لدى البعض , وأيضاً حمل هذا التوجه الوطني الديمقراطي إلى مركز القرار الدولي ليصار إلى الضغط عليه كمطلب وحاجة أساسية للشعب السوري , وهذا يتطلب أولاً نقل هذه الرؤية السياسية العامة كي تجد ترجمتها لدى الشعب السوري أولاً – الذي عانى ويعاني من ويلات هذا النظام الاستبدادي بخياره الأمني العسكري وما يقابله من مجموعات الموت , بل من حلقة العنف الدموي الدائر اليوم .

إن النظام السوري بإصراره على الحل الأمني العسكري يسعى وبكل الطرق الى صرف الأنظار أولاً , والتخويف ثانياً من الجماعات المسلحة بوصفها جماعات جهادية – سلفية لا تملك مشروعاً سياسياً , أو تملك مشروعاً طائفياً – دينياً متشدداً إلى اعتبار الأزمة في سورية أزمة أمنية صرفة , غافلاً عن الاعتبار الأساسي بأن هذا الصراع هو من إفراز الحل الأمني العسكري وليس اساسه , ومن جهة أخرى إلى تغليب النسبة العامة لأطراف الصراع في سورية من كونها أزمة شعب مع نظامه , إلى أزمة نظام سياسي مع مجموعات مسلحة موجودة وفاعلة وتخدم أجندات خارجية تهدف بالأساس إلى تحطيم الدولة والمجتمع السوري وضرب تحالفاته الاقليمية باتجاه تحالفات اقليمية أخرى , لكن ذلك ليس كامل اللوحة العامة , فالأساس في الجوهر هو ثورة وطنية ديمقراطية طالبت بالعدالة والحرية والكرامة , وهذه هي النسبة الغالبة من طموحات الشعب السوري وهذا هو الحد الفاصل ما بين الثورة الوطنية الديمقراطية والثورة المضادة .

وعوداً على بدء :

الأزمة السورية لا يمكن بأي حال أن تحل بدون ارادة و توافق السوريون بكل أطرافهم وتوجهاتهم , و لكن أيضاً ليس بدون توافق وتشارك وضمان دولي من مراكز القرار ومن القوى الاقليمية الفاعلة.

إنه وفي ظل التدويل الذي حصل للأزمة السورية أصبح من المهم التوافق الدولي للأزمة وبالتالي لحلها .

وفي هذا السياق حصلت عدة توافقات اقليمية ودولية مثل مبادرة الجامعة العربية وأخيراً مبادرة كوفي عنان بمباركة عربية ودولية وبإشراف وتوافق دولي – مجلس الأمن – ذات النقاط الست , والتي يمكن اعتبارها أفضل – أسوأ التوافقات الدولية والمحلية , حيث تم قبولها من قبل الدول صاحبة العضوية الدائم في مجلس الأمن ومن قبل النظام في سورية وكافة القوى المعارضة الأخرى , لكن ما عاب عليها هو فقدانها للذراع التنفيذي ولعدم المصداقية من قبل الكثير من الأطراف أبرزهم القوى المتصارعة على الأرض – النظام بأدواته المنية العسكرية والمجموعات المسلحة – تجاهها .

واليوم يكلف الأخضر الإبراهيمي بذات الملف من قبل المؤسسة الدولية – مجلس الأمن – والمؤسسة العربية – جامعة الدول العربية – وهذا التكليف محكوماً سلفاً بالتوافق وحسن النوايا والقدرة على التنفيذ مع القدرة المادية على فرض التوافق في حال اقراره والبدء بالعمل به .

إن مهمة الأخضر الإبراهيمي محددة سلفاً لإنجاحها في حال عبرت عن مجمل مطامح الشعب السوري وقراءتها للأزمة ببعدها الوطني أولاً وأساساً , وفي ظل التوافق الدولي بعيداً عن سياسة المحاور والتحالفات الاقليمية ثانياً , وهذا يتطلب النظر اليها داخلياً وخارجياً كأزمة وطنية ديمقراطية بامتياز ذات أبعاد محلية ودولية .

خاتمة لا بد منها : أجمع الشعب السوري وربما من المرات القليلة بأغلبيته السياسية والاجتماعية والمدنية على التخلص من نظامه السياسي لما شكل ويشكل من استبداد واحتكار للسياسة والعنف , واختلف الشعب السوري أيضاً على الطريقة والوسيلة لتحقيق ذلك.

البعض اعتبر بأن المواجهة المسلحة – كخيار أم اضطرار – هي السبيل لتحقيق ذلك مع ما يستتبعه من خيارات وتحالفات داخلية كانت أم خارجية , ومارس وما يزال هذا النهج الذي أوصل وسيكمل على ما تبقى من الوطن والمواطن إلى نهايات دموية قاتلة للجميع .

والبعض الأخر اعتبر أن النهج الوطني الديمقراطي السلمي بكافة أشكاله من النضال المدني هو الطرف الأفضل للوصول إلى مكاسب – ربما غير مكتملة في المدى المنظور – لكنها تحفظ الوطن والمواطن

هنا رودس ….فاقفزوا !!!!

ماجد حبو

التصنيفات: ملف حقوق الانسان, المقالات

المعلق:Syrianncb-s

لا يوجد تعليقات.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s

%d bloggers like this: