عن السلْميّة والعَسْكرةِ في الثورة السورية

* محمد حيان السمان

” هكذا كان ذلك الوحشُ الذي لا يعرف السلمَ أبداً , والذي باقترابه مني , راح يدفعني إلى حيث تصمتُ الشمسُ ” ( دانتي – الجحيم: الأنشودة الأولى )

عبر مسار معقد ومكلف وخطير, انتقلت الثورة السورية من منطق مؤسس يقول ” إذا أنتَ بسطتَ يدَك إليّ لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك “, إلى منطق نقيض تماماً ومريع يقول : ” اقتلوهمْ حيث ثقفتموهم “. ومن خلف الانتقال هذا فعلت محددات الاستبداد والقمع والعنف العاري فعلها, مندرجة في سياق تاريخي عالمي خاضع لمكائد صانعيه الكبار, الأكثر دهاء وذكاء وانعداماً للقيم والأخلاق.

إن ثنائية السّلْميّة /العسكرة, تختزل في داخلها سيرورة الثورة السورية ومآلاتها وأهدافها ومستقبلَ سوريا جميعاً. وأي حدّ في هذه الثنائية – عندما يغدو خياراً – لا يظل مجرد شكلٍ للثورة وعلامةٍ خارجية عليها, بل يصبح جوهرَها الذي يتحدد – تبعاً له – كلُّ شكل وجوهر قادمين على صعيد الإنسان والوطن وحلم الدولة المأمولة…

سلمية الحراك – منذ انطلاقته – لم تكن مجرد شكل للممارسة والتعبير في ثورة أرادت – في منطلقها وأهدافها- استعادة الكرامة للإنسان السوري, والسياسة لمجتمعه المهمّش, والديمقراطية والعدالة لدولته المختطفة ومجاله السياسي الموؤود. بل هي – السلمية – جزء أساسي من المضمون الديمقراطي للثورة. وهو مضمون لا يمكن أن يترسّخ في الوعي, ويتحقق في الممارسة, ويغدو من بدهيات المجال السياسي السوري القادم, إلا عبر هذا الشكل الاحتجاجي المدني تحديداً, والذي اختاره جمهور الحراك بشكل عفوي منذ البداية. وبالتالي فإنه لا يمكن التخلي عن السلمية من دون أن يطرأ خلل خطير في معنى الثورة نفسها وأهدافها الجوهرية المشار إليها. فضلاً عن فداحة الخسائر البشرية والمادية, والدمار والتشويه الهائلين في بنية ونسيج الاجتماع السوري, والتي لن يكون بوسع سوريا تجاوزها لعقود.

بكلام آخر : ليس التخلي عن سلمية الثورة مجرد تغيير في الشكل يكفل بقاء المضمون والهدف النهائي على حالهما. نحن هنا أمام انحراف في الشكل يفضي إلى مضمون مختلف تماماً وهدف آخر أيضاً.

* * *

يجري الحديث عادة – لتفسير الانحراف نحو العسكرة – عن توحّش نظام مهووس بالسلطة, يحتكر كل شيء منذ ما يقرب من نصف قرن, وله سوابق في ممارسات استئصاليه دموية مروّعة, يسعى الآن إلى تكرارها وتوزيع مفاعيلها على جمهور الثورة وفضاءاتها الحاضنة للحراك, ليكفل تكريس الإذعان والخوف من جديد, وإعادة إنتاج سلطته وتأبيدها.

هذا صحيح حتماً. والجميع يدرك ذلك, بدءاً بمنظمة هيومن رايتس ( تقرير- بأي طريقة – ) ولجنة المراقبين العرب التي أشارت في تقريرها النهائي إلى أن” ظهور العنصر المسلح في المعارضة كان نتيجة الاستخدام المفرط للقوة من قبل النظام نفسه “, إلى عموم جمهور الثورة وناشطيها, بما في ذلك المقاتلين أنفسهم :

” نحن ما شلنا السلاح حتى دفعونا هُمْ لنشيل السلاح. 8 أشهر 9 أشهر ونحن نقول : سلمية …سلمية. نساؤنا اختُطفت من الطرقات, ونحن نهنّا ( الإهانة ), ونحن ساكتين, ونقول: سلميّة.. سلميّة ” – قائد ميداني في الزبداني -

لقد انتشر هذا التفسير كبدهية وكحقيقة نهائية, انتشارَ النار في الهشيم. ولكن, تحت وطأة الألم والإحساس بالمهانة والرعب – بالنسبة لجمهور الحراك والشعب الذي يواجه مباشرة آلة التوحش – , أو نتيجة نزعة شعبوية ترغب بالحفاظ على رصيدها الجماهيري – بالنسبة للنخب الثقافية والسياسية – ؛ غاب – وغُيّب – عن الأذهان السؤال الحاسم : إذا كان عنف النظام قد أجبر ثورة سلمية على الانتقال – فيما يشبه عملية مبيّتة – إلى خندق العنف المقابل؛ فلماذا فعل النظام ذلك..؟؟ لماذا نصب هذا ( الفخ الاستراتيجي ), للثورة السورية, ودفعها دفعاً نحو مغادرة مقام السلمية, والاندراج في منظوره الدموي الفاشي المعمد بالعنف والجريمة..؟؟ والأهم من ذلك السؤال التالي : هل من الممكن هزيمة النظام بالسلاح..؟؟ وإذا حدث ذلك فهل تكون الثورة بالفعل قد أقصت جذرياً نظامَ التسلط والقمع والفساد, وعَبَرت بالاجتماع السوري نحو دولة ديمقراطية مدنية حديثة؟؟ .

لقد أوضحتُ في دراسة سابقة ( العسكر في الشام : الحوار المتمدن – العدد 3747 بتاريخ 3/6/ 2012 ) ملامحَ الخطة الإستراتيجية التي وضعها النظام السوري من أجل حرف المسار السلمي للثورة السورية نحو العسكرة واستخدام السلاح. وهو أمر نجح النظام في تحقيقه بغضون أشهر قليلة بعد اندلاع الثورة, كما بينتُ في تلك الدراسة.

وهنا سألقي الضوء على عدد من الأفكار ظهرت – من جهة الثورة والمعارضة ونخبها السياسية والثقافية – وتم تداولها في سياق تبرير العسكرة والتسليح, وتسويقهما كواقع فرض على الثورة فرضاً, ولم يكن بالإمكان تلافيه إطلاقاً, وعدم الوقوع في مستنقع الدم والخراب الذي قاد إليه.

* * *

يؤكد مناصرو عسكرة الثورة وتسليح الحراك, على الحاجة إلى حماية التظاهر والمتظاهرين المدنيين العزّل من التنكيل الفظيع الذي يلقونه على أيدي قوات النظام وشبيحته. لكن المرتكز الأساسي لهؤلاء في تقليب الحاجة الدفاعية على وجوهها, يقع في ظاهرة الانشقاق التي بدأت بشكل فردي عفوي منذ بداية لجوء النظام إلى الحل الأمني في درعا, وزج الجيش في هذا السياق. حيث رفض جنود وضباط شجعان ومبدئيون الأوامرَ بإطلاق النار على المحتجين, والتحق من نجا منهم من الإعدام الميداني بالثورة.

وبعد انشقاق المقدم حسين هرموش في حزيران 2011 والإعلان عن تأسيس لواء الضباط الأحرار, حدث تطور حاسم في حركة الانشقاق, حيث تحولت من حركة فردية ذات طابع أخلاقي إنساني, إلى حركة تتعين بإطار عسكري – سياسي مسلح. وفي 29 تموز 2011 أعلن العقيد رياض الأسعد – وهو من الضباط المنشقين أيضاً – عن تأسيس الجيش السوري الحر لحماية المتظاهرين السلميين.

إحدى النقاط الأساسية التي اعتمد عليها منظرو العسكرة من أجل تبرير الحاجة إلى استخدام السلاح من جانب الثورة, هي أن الجنود والضباط المنشقين باتوا مطلوبين من قِبل النظام, وينتظرهم مصير بشع عقاباً لهم على العصيان, وليس لهم والأمر كذلك سوى أن يدافعوا عن أنفسهم بما توفر لهم من سلاح.

لقد جرى طُرح السؤال التالي مراراً : ما العمل بآلاف المقاتلين الذين رفضوا أوامر القتل وانحازوا إلى الثورة ؟!. وكان – السؤال – يُطرح خاصة ليحصل على جواب محسوب ومنتظر ووحيد, يبرر عسكرة الثورة وتسليحها.

يتجاهل هذا المنطق أن الانشقاق بالأساس شكل من أشكال الردّ السلمي الإنساني على عنف النظام وبطشه الوحشي. وهو من تداعيات الثورة في طورها المدني الخالص. أي أن الطبيعيّ والحالة هكذا أن يندرج المنشقون في السياق السلمي للثورة, انسجاماً مع نزوعهم الأساسي الذي يتعيّنون به كمنشقين, وهو رفض القتل والعنف. وأن يصب ناتج جهدهم التالي للانشقاق, في صالح العمل السلمي وأنشطته وتعبيراته المدنية المتعددة. لا أن يُزَجّ بهم مرة ثانية داخل الوضع الذي ثاروا عليه بالأساس, بحيث يجد المنشق نفسه من جديد مضطراً لأن يكون قاتلاً أو مقتولاً.

المنشق – كعنصر فاعل في سياق ثورة سلمية – لا ينبغي أن يتعيّن من خلال سلاحه ودوره كجندي . فهو بذلك يظل جندياً ولكن في الجهة المقابلة هذه المرة. أي يظل مندرجاً في ماكينة العنف نفسه, الذي سعت الثورة أساساً, عبر أنشطتها وآليات استقطابها لكافة فئات الشعب وفعالياته, إلى إلغائه كأداة تغيير وعبور نحو المستقبل.

أما التهديد بالقتل الذي يلاحق المنشق من قبل النظام, قصاصاً له على تمرده والتحاقه بالثورة, فهو أمر قائم بالنسبة لجمهور الثورة جميعاً: المتظاهرين السلميين في ميادين الاحتجاج, ونشطاء الثورة في كل مواقعهم, أعضاءَ تنسيقيات وناطقين إعلاميين باسمها ومصورين وأطباء ومنشدين ومنظمي حشود ومخرجي تعبيرات مدنية…الخ. هؤلاء جميعاً مهددون بالقتل وملاحقون من قبل النظام أيضاً.

عوضاً عن احتواء مصادر العنف وتقليصها – كهدف للثورة وكمغزى أساسي لعملية الانشقاق نفسها – فقد تم, من خلال تأسيس الجيش الحر واعتماداً على وجود منشقين؛ تكثير مصادر العنف وتنويع أهدافه.

* * *

لقد جرى التأكيد مراراً على الطابع الدفاعي للمكون العسكري في الثورة السورية : الدفاع عن المدنيين, وحماية التظاهر السلمي والمجال العام للاحتجاج في المدن والمناطق السورية. وقد كرر الدكتور برهان غليون لفظة ( الدفاع ) ومشتقاتها إحدى عشرة مرة في مؤتمره الصحفي الشهير الذي أعلن فيه إنشاء المجلس العسكري لدعم الجيش الحر, مطلع آذار المنصرم.

لكن الوقائع الميدانية أثبتت استحالة الاكتفاء بوضع دفاعي خالص للجيش الحر. وبالتالي, فإن انفتاح الوضع على مواجهات عسكرية بين الطرفين وفي أكثر من مكان, كان مسألة وقت. وهو ما كان ينتظره النظام – أصلاً – على أحرّ من الجمر.

بعد وقت قليل من تأسيس لواء الضباط الأحرار, أعلن المقدم هرموش مسؤولية اللواء عن قتل العسكريين الموالين للنظام الرسمي في جسر الشغور. وفي بيان تأسيس الجيش الحر يبدو السرد مدفوعاً باتجاه تهديد يتصاعد ليصل إلى اعتبار القوات ( النظامية ) التي تقوم بقتل المدنيين ومحاصرة المدن ” أهدافاً مشروعة سنقوم باستهدافها في جميع أنحاء الأراضي السورية, من دون استثناء “. فيما بعد تصاعد المنحى الهجومي للجيش الحر, مع كل ما يحمله ذلك من نتائج عسكرية واجتماعية مؤثرة سلباً على الحراك وحاضنته الاجتماعية الوطنية.

الوقائع الميدانية أثبتت أيضاً أن حماية ثورة سلمية لا يمكن إلا بوسائل سلمية, وأن وجود مسلحين لحماية التظاهر السلمي أمر خطير جداً على حياة المتظاهرين وعلى إمكانية احتشادهم واستمرار احتجاجهم السلميّ, خاصة في الوضع السوري وطبيعة النظام الحاكم هناك. إن نجاح مقاتلي الجيش الحر في حماية بعض مواقع الاحتجاج خلال خريف 2011, جاء في سياق خطة النظام التي وضعها منذ وقت مبكر من أجل دفع الحراك نحو العسكرة والتسلّح. وهو ما أوضحته في دراستي المشار إليها.

قامت تلك الخطة, فضلاً عن تصعيد القمع وعمليات استفزاز الحاضن البشري للثورة, على تسهيل وصول السلاح للثوار, وغض النظر عن وجود مسلحين في مناطق التظاهر للإيحاء بجدوى تسليح المعارضة, وبقدرة المسلحين على حماية التظاهر. وقد تكررت في تلك الفترة مشاهد المقاتلين يتجولون بين المتظاهرين الفرحين بوجودهم معهم, وبعضهم كان محمولاً على الأكتاف من قبل المتظاهرين. بل إن النظام في تلك المرحلة سمح بخروج مناطق معينة عن سيطرته ( الزبداني, وبعض الأحياء في حمص وحماه ودرعا وإدلب…).

كان النظام السوري يريد تثبيت صورة واقع معيّن على الأرض, يراه العالم أجمع في الإعلام ومواقع التواصل . وذروة هذا المسار كانت في وصول المراقبين العرب وتفحصهم الواقع على الأرض, ثم كتابة تقرير نهائي أشاروا فيه إلى ” وجود عنصر مسلح غير مخاطَب بالبروتوكول…” !!.

نجح النظام في تثبيت هذه الحقائق قبل البدء بحملة عسكرية عنيفة وساحقة لضرب المجالات الحاضنة للتظاهر السلمي وإخراس الحراك الشعبي وتعبيراته المدنية, من خلال القول بأنه يلاحق مسلحين معادين للدولة وللمواطنين, يقتلون ويستبيحون ويرتكبون المجازر بحق الآمنين. وقد حدث ورآهم العالم أجمع عبر المحطات الإعلامية الكبرى, كما رأتهم وتحدثت عنهم بعثة المراقبين العرب.

إن السيطرة على المجال العام كانت موضوع تنازع رئيسي وحاسم بين الثورة والنظام. فمن يمتلك المجال يمتلك السلطة فيه. ووجود عنصر السلاح في هذا التنازع سمح للنظام باستخدام أقصى درجات البطش والعنف الدموي, ليس للسيطرة على المجال فحسب وإنما لتدميره تماماً, كما حدث في حمص والكثير من أحياء ومناطق حماه وإدلب ودرعا وحلب. ومع وجود تفوق عسكري ساحق لقوات النظام, عدداً وعدة وقدرات لوجستية وتدريبية, فقد كانت حظوظ نجاح الجيش الحر في حماية المجال العام والتظاهر السلمي ضئيلة جداً, إن لم تكن معدومة تماماً.

إن مثال حمص ناصع ودال في هذا السياق. فبعد أن شهدت المدينة أروع تعبيرات التظاهر السلمي, مع ما رافقه من فعاليات وأنشطة فنية وإبداعية مدنية مختلفة, نلاحظ أن دخول المسلحين أحياءها واتخاذها مركز استقطاب وتجمع للمنشقين والمجموعات المقاتلة, قد أفضى إلى نتائج معاكسة لمطلب الحماية: الساحات التي كانت عامرة بالتظاهر والغناء دمّرت وفرغت من حشودها. والأنشطة الفنية الإبداعية المرافقة تراجعت حتى تلاشت تماماً. حتى النكتة الحمصية المتميزة بحضور بديهتها وذكائها وقدرتها على تجاوز الخوف بالضحك, تحولت إلى ما يشبه النشيج في خرائب روح وجسد محطمين.

* * *

كدليل على استحالة حماية التظاهر السلمي بالسلاح, لدينا شهادة بالغة الأهمية صادرة عن نشطاء ميدانيين, اختبروا على الأرض وطوال أشهر مقولة حماية السلمية بالسلاح, ورأوا النتائج المدمرة لهذا الجمع الأخرق للنقائض في صعيد واحد.

ففي نيسان الماضي أصدرت تنسيقية الثورة في دير الزور بياناً هاماً جداً ولافتاً, تصدرته هذه المناشدة الحارة لعناصر الجيش الحر في المدينة ” نناشدكم أن لا تظهروا بهيئتكم المسلحة داخل المظاهرات السلمية “! ويسوق البيان جملة أسباب دعت إلى هذه المناشدة, تعكس في مجملها وعياً كبيراً بأهمية المحافظة على صورة الاحتجاج السلمي, معتبرين أن النظام يسعى إلى تشويه هذه الصورة أمام العالم من خلال نقل أخبار ومشاهد المسلحين المواكبين للاحتجاجات ( هذا جزء من خطة النظام التي أشرت إليها قبل قليل ). ويربط البيان بدقة بين غياب المسلحين عن المظاهرات وبين استمرار عامل الاطمئنان الذي وفّرته التهدئة التي تلت أعمال العنف واقتحام الجيش لدير الزور. ويلاحظ البيان أن عامل الاطمئنان يساهم في زيادة أعداد المتظاهرين, وبخاصة أنه يشجع تلك الفئة – التي تشمل أغلب أهالي مدينتنا – و ” التي حجبتها بعض المخاوف ومنعتها من النزول إلى الشارع “؛ يشجعها على المشاركة. هذه ملاحظة نادرة حقاً, وهي ابنة التجربة والنشاط السلمي اليومي , حيث تجري الإشارة هنا بشكل غير مباشر, إلى أن وجود مسلحي الجيش الحر حول التظاهر السلمي سيؤجج العنف من جديد, مما يساهم في إحجام أغلب أهالي المدينة عن المشاركة بالاحتجاجات السلمية.

وينهي البيان مبررات هذه المناشدة بتفنيد الادعاء القائل بأن وجود عناصر الجيش الحر ضمن التظاهر يحمي المتظاهرين. على العكس – يقول البيان- ” إن وجود أي مظاهر للتسلح ضمن المظاهرات السلمية قد يقود إلى استفزاز كبير لعصابات الأمن, وهم حمقى جبناء تنتج عنهم ردات أفعال جربناها قبل أودت بحياة كثير من شبابنا الذين كان من الممكن أن يكونوا بيننا اليوم ” !!.

كان يمكن لهذا البيان, في ظروف أخرى وسياقات مختلفة, أن يكون حافزاً للمعارضة السياسية والقادة الميدانيين للحراك, على إعادة نظر جذرية في مسألة عسكرة الثورة وتسليحها, والكف عن ترداد مقولة أن السلاح يكفل حماية التظاهر السلمي. ولكن – للأسف – تم تجاهل هذا البيان بشكل كامل, وتُرك كصوت بدون صدى ينطفئ في الصمت, أو في ضجيج قعقعة السلاح.

* * *

يدعم خطابُ تبرير العسكرة حجَجَه بالقول : إن المكوّن العسكري لم يكن خياراً, وهو اليوم أمر واقع لا يملك أحد القدرة على تجاهله أو إلغائه. وأقصى ما يمكن فعله الآن هو العمل على ضبط استخدام السلاح , وتنظيم المسلحين تحت قيادة واحدة تتبع الجيش الحر, وتنسّق عبر المكتب الاستشاري العسكري مع المجلس الوطني.

يستبطن هذا القول أمرين ساطعيّ الخلل والاستحالة. فصيرورة العسكرة أمراً واقعاً لا يساوي القبول بها, وتركها هكذا من دون نقد وتعرية وتفكيك. خاصة عندما يتبين أن عسكرة الثورة مطلب النظام أيضاً, وحلمه منذ البداية. وحقيقة الأمر أن صمت النخب السياسية والثقافية المعارضة عن نقد التحول نحو السلاح في الثورة منذ البداية؛ هو ما جعل الأمرَ أكثر قبولاً ومشروعية لدى الكثيرين, وساهم في جعل العسكرة أمراً واقعاً لا يملك الكثيرون الجرأة الآن على نقده وتبيان مخاطره الفظيعة على حاضر الثورة والمجتمع, وعلى مستقبل سوريا برمته.

أما القول بإمكانية تنظيم وضبط السلاح ومراقبة مصادر التمويل به وإلزام المجموعات المسلحة بالانضواء تحت مظلة الجيش الحر…الخ, فهو قول لا يغادر مؤداه حدود اللفظ والكلمات, ويستحيل اندراجه في الممكنات العملية الملموسة على الأرض. وهذا الأمر يعرفه من يقولون هذا الكلام أكثر من غيرهم. فمنذ آذار الماضي أشار العقيد رياض الأسعد إلى محاولات بعض الشخصيات في المجلس الوطني تشكيل أذرع عسكرية لها داخل الأراضي السورية( صحيفة الحياة ). ويؤكد العقيد الركن قاسم سعد الدين الموجود داخل سوريا ” أن التيار السلفي الجهادي بدعم من الأخوان المسلمين في سوريا, يخزّنون الأسلحة لمرحلة ما بعد سقوط النظام “, ويشير إلى انشقاقات داخل الجيش الحر تقف وراءها المجموعات السلفية. ويذكر أن ” المنسّق العام لهيئة حماية المدنيين في حمص فتح إمارة لحسابه… وأن جماعته يقسمون يمين الولاء له وليس للوطن..!! ” ( السفير ).

الإقرار بضرورة تنظيم استخدام السلاح وطرق تمويله وضبط المجموعات المسلحة؛ لا يعني القدرة على ذلك أبداً. لقد تم التمويه على (الاستحالة) بتأكيد (الضرورة), وذلك هرباً من السؤال الحاسم : ما مصير الثورة إذاً في شرط فوضى السلاح وتعدد مراكز القرار العسكري داخلها..؟؟

عوضاً عن مواجهة هذه المسألة الشائكة والتي لا يمكن تجاوزها, مواجهة تدبر وحل جذري, جرى الحديث عن ( ضرورة ) حلها, بوصفه – الحل – ممكن التحقق, بينما هو المستحيل بعينه, نظراً للتحول الذي طرأ على مسار الأحداث من ثورة شعبية سلمية إلى عنف منفتح على المصالح والنزاعات الإقليمية والدولية بالغة التعقيد والتوتّر. وخاصة في الأسابيع الأخيرة, وبالتساوق مع نذر ومؤشرات فشل خطة – كوفي عنان – , حيث اتخذ مسار التسليح وعسكرة الثورة اتجاهاً أكثر خطورة وتعقيداً, تمثل في زيادة تدفق الأسلحة إلى المعارضة, واتساع وتنوّع المجموعات الجهادية المسلحة, مع بروز ظاهرة قدوم الجهاديين من الخارج للقتال إلى جانب هذه المجموعات وما يسمى الجيش الحر, مما ينذر بتحوّل الوضع السوري إلى النموذج الأفغاني, في ظل طلائع حرب أهلية تكاد تكون محققة.

* * *

في مطلع آذار الماضي, عقد الدكتور برهان غليون –وكان حينها ما يزال رئيس المجلس الوطني السوري- مؤتمراً صحافياً لمناسبة الإعلان عن إنشاء المجلس العسكري الذي سيتولى التنسيق بين أعمال القوى المسلحة في الثورة, وبين أعمال المجلس الوطني والثورة السلمية. ويمكن للمرء من خلال متابعة إجابات الدكتور غليون على أسئلة الصحافيين أن يلاحظ التوتر القائم بين الواقع والمأمول في وضع المكون العسكري للثورة. كما يتبين بوضوح من كلام الدكتور حجم المخاطر الحقيقية التي تواجهها الثورة, ليس من ناحية النظام الفاشي فحسب, وإنما من جهة المكون العسكري بالذات, والذي حاولنا في هذه الدراسة تتبع ملابسات ظهوره ومبررات تسويقه.

يتبين من خلال دواعي إنشاء هذا المكتب العسكري, كما بسطها رئيس المجلس وأوضحها في إجاباته على الأسئلة؛ أن جملة مشاكل خطيرة ظهرت تباعاً في المكون العسكري, أو في طريقها للظهور حتماً. ولم يستطع الدكتور غليون بثقافته وقدرته على صياغة الموقف السياسي بلغة فكرية صارمة, أن يخفي خوفه وقلقه الكبيرين من تعقيدات الوضع الذي قادت إليه عسكرة الثورة. فهو يشير إلى الحاجة لضبط المقاومة المسلحة, وتنظيم صفوفها وتوحيد قواها وتعريف مهماتها الدفاعية, ووضعها تحت الإشراف السياسي ( كذا ) للمجلس الوطني !! ( بعد أقل من شهر سيتحدث رياض الأسعد عن المجلس الوطني باستعلاء واضح ويقول إن المجلس لم يقدم – لنا – شيئاً, ويصف أداءه بالضعيف ” وقد نطالب بإعادة هيكلته ” !! ).

إن الدكتور غليون في أجوبته يتحدث عما هو قائم فعلاً, ولكن بصيغة مواربة تضمر الخوف والقلق من الوضع على الأرض من دون الإشارة إليه كأمر واقع. فهو يشير إلى ضرورة العمل ” على الحيلولة دون ظهور حالة من التشتت والفوضى في انتشار السلاح, ومنع أي اختراقات أو تجاوزات لا تصب في مصلحة الثورة..” . وعن التسليح يقول ” هناك دول أعلنت أنها مستعدة للتسليح. أردنا أن لا يكون هذا التسليح عشوائياً, وأن لا نسمح لأي دولة أن تقدم السلاح لأي طرف ونجد أنفسنا أمام قوى منقادة من الخارج…أمام اختراقات وأمام تجاوزات”.

ويتابع الدكتور غليون توصيف ما يحدث حقيقة داخل سوريا, ولكن بصيغة مهام ستوكل إلى المكتب العسكري, أو على شكل رغبات ومطالب مستقبلية للمجلس الوطني ( والأصح له شخصياً حيث إن بعض أطراف وشخصيات المجلس كانت تدفع باتجاه العسكرة منذ البداية, وهي من جملة قوى وعوامل تقف وراء ما انتهت إليه الأمور على الأرض ) :

” لا نريد لدولة أو أخرى أن تبادر هي بنفسها إلى تقديم السلاح مباشرة إلى الأطراف السورية. نحن نريد أن يمر كل شيء عبر المجلس الوطني, حتى يكون هناك ضبط لاستخدام السلاح, وهو الهدف الرئيسيّ لإنشاء هذا المكتب ” .

وعندما يشير صحافي إلى احتمالات نشوب حرب أهلية في سوريا بسبب تسليح الحراك وعسكرة الثورة, يرد الدكتور غليون بالقول ” إن هدفنا في المجلس والمكتب تجنب الحرب الأهلية وليس العكس “. لكنه عندما يعدد شروط نشوب حرب أهلية, من أجل أن يستبعد إمكانية نشوبها في سوريا؛ فإنه لا يفعل أكثر من توصيف ما هو قائم فعلاً في المدن والمناطق السورية منذ أشهر. إن الدكتور غليون أثبت حيث أراد أن ينفي, فقدرة الوقائع والحقائق الفعلية على الإثبات, أقوى من قدرة الأحلام والرغبات على النفي !! .

” تنشأ الحربُ الأهلية عندما لا تكون هناك قيادة سياسية مسيطرة على استخدام السلاح, وعندما يصبح استخدام السلاح رهين بفرق متعددة كل واحد يدافع عن مصالح وأجندة خاصة. نحن نريد أن لا يرتبط بالسلاح إلا أجندة المصلحة الوطنية السورية, التي تعني وحدة الشعب السوريّ, ووحدة الأراضي السورية, ودعم الثورة الديمقراطية…وفقط الثورة الديمقراطية, وليس أجندات خاصة طائفية وسياسية “..!!؟؟.

غاب عن ذهن الدكتور غليون, وهو المثقف الكبير والعقلاني المستنير, أن السلاح في الحالة السورية والمعطيات الإقليمية والدولية, لا يمكن – على الإطلاق – أن يرتبط بأجندة المصلحة الوطنية, بما هي وحدة الشعب والأرض وتحقيق الديمقراطية. نسي هذا المفكر والأكاديمي المرموق – أو تناسى – أن ثورة تتطلع إلى الديمقراطية وكرامة صانعيها, لا تنتصر عبر العسكرة واستجداء السلاح, واقتتال الأخوة في الوطن الواحد, وانتظار المدد من مقاتلين غامضين ومسلحين عتاة, قدموا من آفاق بعيدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* باحث وكاتب من سوريا – عضو رابطة الكتاب السوريين .

التصنيفات: المقالات, الأخبـــــار

Author:syrianncb

صوت المعارضة السورية الصادق

4 تعليقات في “عن السلْميّة والعَسْكرةِ في الثورة السورية”

  1. أية الله رجائي
    2012/06/19 at 17:15 #

    لا أدري أيها المغيب عن الساحة السورية إلى أين تريد أن تصل ؟!
    قرأت لك عدة مقالات وهي تسير وتلف بنفس المحور وهو عداوتك للجيش الحرّ !لم تقل لنا أيها المحلل العسكري الفذّ ماذا نفعل وماهو الطريق الذي تريدنا أن نمتطيه ؟ ما رأيك أن نرجع لبيوتنا ويستقر الأمر للسلطة وهيئة التنسيق , وأعتقد هذا هو ما تسعى له !
    وبالنسبة للحرب الأهلية من قال لك أنها غير موجودة ؟! إنها موجودة ومن طرف واحدة وهي عبارة عن سلطة طائفية بشبيحتها ذات النمط الطائفي وهي تقتل بنا !ما رأيك أن ننتظر قتلنا ونموت وتعود بعدها من اغترابك لتشارك سلطة القتل وتحكمنا باسم معارضتك النظيفة !

    • 2012/06/20 at 12:27 #

      أخ آية الله رجائي : هيئة التنسيق وغيرها من المعارضة الشريفة توافق على كل ما جاء في المقال ، وتعلم جيدا أن التسلح الهدف منه استنزاف سورية وقتلها نهائيا .. لا يمكن لأحد أن يسلحك بطريقة متكافئة مع النظام ، لقد نجح في جركم الى حيث يتقن اللعب وها هو يكيل ويكيل ولا نسمع الا عن انسحابات تكتيكية أو عدد كبير من الضحايا المدنيين بينهم اطفال ونساء وشيوخ ، ان كنت تستطيع عرض نتائج التسلح الايجابية فنحن فعلا متلهفون لسماعها.

  2. أية الله رجائي
    2012/06/19 at 17:16 #

    أرجو أن يكون لك الجرأة والديمقراطية الكافية للرأي الآخر

    • 2012/06/20 at 12:28 #

      الكل يعرف هذا الموقع ويعلم اكبر من أو يوجه نحو احترام الراي الآخر ان كان محترما ويلتزم بقواعد أدب الحوار مهم كان.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: